تكرّم الدورة الثامنة عشرة لأيام قرطاج المسرحية أربعة من رجال المسرح ونسائه ممن كرسوا جهودهم  في خدمة المُثل العليا التي ينادى بها الفن المسرحي وتركوا بصمة لا تمّحي في مسيرة الفن الرابع في بلدانهم، وهم من تونس جليلة بكار ومن الجزائر محمد آدار ومن ساحل العاج ويري ويري ليكنغ ومن الطوغو بينو سنفي.. أربعة مسيرات  مهنية قوامها عشق المسرح والتضحية من أجل اعلاء شأنه وجهد لا تكل حتى تظل شعلة المسرح متقدة. وستسعى الدورة الثامنة عشرة الى تجاوز المعتاد والمتداول في مثل هذه التكريمات ، إن من حيث المضمون أو الشكل.

كما تكرّم الدورة، كلّ من المسرحيّ منصف السويسي، فقيد المسرح التونسي والعربيّ، إذ لا يشكّ أحد في أنّه قدّم الكثير لهذا الفنّ، وإنّه لمن دواعي الأسف أن تختطفه الموت منّا قبل هذه الدورة بأيّام قليلة، والممثّلة سعيدة سراي الراحلة قبل الأوان، وكوكبة أخرى من المبدعين على غرار أحمد السويسي وأحمد عامر.

ولا يفوت أن تكرّم هذه الدورة وتحيّي روح علم من أبرز أعلام المسرح في المغرب الشقيق: الفقيد الطيب الصديقي الذي تركت مسيرته المسرحية بصمة لا تمحي في تاريخ المسرح المغربي المعاصر. وهو يعد أيضا واحدا من أغزر المبدعين في حقل المسرح مغاربيا وعربيا وكانت لهو علاقة وثيقة بأيام قرطاج المسرحية والعديد من المسرحيين وجمهور المسرح في تونس.

برنامج التكريمات

قاعة “بين الفصول” – مسرح الفن الرابع

 

الخميس 24 نوفمبر 2016

  • 11:00 – 12:00: تكريم السيدة جليلة بكار
  • 12:15 – 13:15 تكريم السيد بينو سنفي

الجمعة 25 نوفمبر 2016

  • 00 – 12:00 تكريم السيدة ويري وري ليكنغ
  • 12:15 – 13:15 تكريم السيد محمد أدار

جليلة بكار

Jalila

لم يلمع اسم جليلة بكار في تونس فقط، فهي ممثلة مسرحية وسينمائية وكاتبة درامية، وصلت شهرتها إلى جميع أنحاء العالم، كالبرازيل  واليابان و الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا.

انضمّت  جليلة بكار إلى مسرح الجنوب في قفصة في عام 1973وبعد ثلاث سنوات أسّست معيّة الفاضل الجعايبي “المسرح الجديد بتونس”، رفقة مجموعة أخرى من المبدعين المتحمسين على غرار الفاضل الجزيري ومحمد إدريس والحبيب المسروقي.

نجحت بكار في فرض نفسها وسط  مجال ذكوري إلى أبعد الحدود، وهو نجاح وإن قوبل ببعض الجحود والنسيان على حدّ تعبير رضا النجار فإنه لم يقلق أو يخف جليلة بكار بما أنها عوضته بالإعجاب الذي وجدته في مختلف أنحاء العالم على غرار الإشادة التي وجدتها من المسرحي الأمريكي الكبير مارفان كارلسون الذي قدّمها على نحو قال من خلاله “على الرغم من أنّ المسرح المجال الوحيد المعرّض للصنصرة منذ بداية القرن الواحد والعشرين،فإنّ جليلة بكار أحد أبرز المؤسسين للمسرح المستقل في تونس، نجحت في كسب شعبية جارفة ومكانة عالمية مرموقة دون أن تتعرّض مسرحياتها للصنصرة، رغم المحاولات التي طالت مسرحيتها “خمسون” في 2006. وقد كان لنضالات بكار ضد الصنصرة تداعيات إيجابية على القطاع في السنوات اللاحقة.

تعدّ مسرحيّة خمسون من أشهر المسرحيات التي كتبتها جليلة بكّار، ولكنّ اللافت في سيرتها  أنّها  لم تكتف بالكتابة فحسب، وإنّما وفّقت إلى حدّ بعيد في الجمع بين الكتابة والتمثيل، بما يدفعنا إلى القول إنّها فنّانة استثنائيّة سيّما من حيث التزامها بمشروع فنّي من سماته المواجهة وتقويض التسلّط الجائر في المجتمع، ولعلّ أهمّ دليل على ذلك نجده من خلال  تأكيدها في حوار مع صحيفة “l’Humanité” الفرنسية في سبتمبر 2002 بعد عرض مسرحيتها “جنون” في مهرجان “أفينيون”، وهي المرة الأولى التي تعرض فيها مسرحية عربية في مهرجان بهذا الحجم ،أنّها تهدف دوما إلى خلق مسرح سياسيّ حتى وإن لم يكن بطريقة مباشرة، إذ يتمّ مسّ مواضيع تستهدف توعية الشباب على حد تعبيرها. كما إنّها صرّحت في الحوار نفسه أنّها لم تختر مهنتها بغاية اللعب فحسب، وإنما للتعبير عن مواطنتها حتى وإن كان ذلك بطريقة كوميدية ساخرة.

إنّ رغبة بكار في المحافظة على مبادئها وتمسّكها بالنضال، دفعها إلى رفض عديد المناصب على غرار منصب وزير الثقافة والمحافظة على التراث الذي قدّم لها على طبق من فضة بعد الثورة، وذلك لتعارضه مع الأفكار التحررية التي تؤمن بها، والتي لا نلمسها في كتاباتها المسرحية فحسب وإنما في كتابات أخرى مكنتها من كسب عديد الجوائز على غرار جائزة  SACD للأدب الفرنسي و جائزة “زبيدة” للكتابات النسائية، ولكن تبقى جائزة محمود درويش لحرية الابداع (2012) أحب الجوائز إلى قلبها بما أنها اعتراف كبير بنضالاتها ووقوفها إلى جانب القضية الفلسطينية.جائزة لم تستطع تسلمها في رام الله بعد أن منعتها السلطات الإسرائيلية من دخول الاراضي الفلسطينية،ضربة قاسية لمناضلة أرادت استنشاق رائحة فلسطين ولكن مسيرة النضال لم تتوقف بعد، وما منعها إلا وسام شرف يدلّ على التزامها بالقضيّة الفلسطينيّة.

محمد ادار

abar

محمد ادار هو ممثل جزائري متميز، بدأ مشواره الفني منذ 54 عاما فكان في كل مرة يشعل المسرح تحت أقدامه من خلال أدواره والشخصيات التي يقدمها.

في رصيده أكثر من مسرحية ، كما أنّ طموحه لم يتوقّف  عند الفن الرابع بل توجّه نحو الفن السابع فأحرز على جوائز عديدة  من خلال الأدوار التي لعبها في بعض الأفلام .

ومن أهم الأعمال التي ميزت مسيرة محمد أدرار :

_2016 “هواجس الممثل المنعزل ” للمخرج حميد بن عمرة

_1970 مسرحية “الخبزة”

وتقلّد منصب رئيس الجمعية الثقافية لمسرح المدينة، والتحق بوهران بين سنتي 1961_ 1964 في مجال فن مسرح العرائس، كما قام بتربص في فرنسا (مونبليي) وكذلك في الاتحاد السوفياتي، وبعد عودته اندمج مجددا بمدرسة الفن الدرامي وتحصل على أدوار صغيرة بالمسرح الوطني الجزائري.

انضمّ سنة 1968 رفقة ولد عبد الرحمان كاكي إلى المسرح الجهويّ بوهران، أين لعب أدوارا رئيسيّة في عدد من المسرحيات منهم “الخبزة” و”القطع الذهبية”.

_محمد ادرار ليس فقط فنّان كوميديّ أو محض ممثّل، بل قام كذلك بإخراج بعض النصوص مثل “شركة الشتاء” سنة 1998 للكاتب سمير الرايس و”اللؤلؤة” سنة 2005 وقام بكتابة بعض النصوص التي تم توزيعها وإخراجها من طرف مسرح وهران وبعض المسارح الأخرى على غرار “البئر المسموم” 1978و”المخضان” سنة 1995.

 وبالرغم من الموهبة التي يملكها محمد ادرار فقد ظل متواضعا ويرى أن هدف الفنان هو اللعب للجمهور وليس للنخبة .

 

واري واري ليكينغ (Werewere-Liking)

 

were-were

هي فنانة كاميرونية متعددة المواهب والاختصاصات،  كاتبة ورسامة وممثلة ومغنية “راب”، كما إنّها مربية وبيداغوجية ومنشطة ومقدمة خدمات ثقافية، بالاضافة إلى كونها مؤسسة ومديرة مجموعة “Ki-Yi Mbock”.

واري واري ليكينغ اسم كبير في إفريقيا السوداء أين تسري العادات والتقاليد الشعوب التي تكونها، فهي ليست كاميرونية أو أيفوارية فحسب، وإنما إفريقية الهوى من خلال طابعها وخصوصيتها الفنّية الفريدة.

بدأت مسيرتها مبكرا نتيجة شغفها وولعها بالفن، إذ كانت الصغيرة “إيدي نجوك” (الاسم الذي أطلق عليها عند الولادة) مولعة بذلك منذ  سن الـ16 والـ18 .

في ندوة صحفية عقدتها في الخارج قالت الملكة – الأم “في الحب كما في الفن،دائما نبحث عن أنفسنا وعن أفضل شيء نتمناه وعن أعلى وأقوى وأكبر إحساس نشعر به. دائما نبحث عن الشيء الناقص وعن الطريقة التي يكتمل بها، و عن كل ما يمكن أن يكون صدى وانعكاسا وملحقا.”

في سن السادسة والعشرين وبالإضافة إلى كونها رسامة ومغنية أضحت واري واري أديبة وكاتبة مسرحية وسيناريست، غادرت واري واري ليكنيغ مسقط رأسها في 1978 إلى الكوت ديفوار أين قامت ببحوث حول العادات والتقاليد الفنّية  الإفريقيّة، أمضت ست سنوات من البحوث الجامعية والزيارات والدورات التكوينية في المدارس الأوروبية حتّى أنّها أصبحت  مؤمنة بضرورة البحث عن صيغة لاحتراف الفنانين الأفارقة.

كتبت واري واري عديد المسرحيات الشهيرة على غرار “ذيل الشيطان” و”سلطة الأم” في 1979 و”نوم العدالة” (1980)، وعديد القصص على غرار “طبل الاتحاد” و “قصص المبادئ الأنثوية” مع محاولات في الكتابة الفنية والتي قامت بعرضها في دول إفريقية على غرار الغابون ونيجيريا ومالي، كما في  دول أخرى على غرار سويسرا والولايات المتحدة وألمانيا و فرنسا.

 يرى كثيرون أنّ واري واري ليكينغ ستنجح عبر قرية “ki –wi” الفنية في حماية وتطوير المخزون التراثي  الإفريقي بمختلف أنواعه، وقد قررت أن تكون سفيرة لهذا الكم الهائل من التراث. حتى أنّ المخزون المعرفي لـ”ki –wi” بات يستعمل في عادات “bassa” لحل الأزمات الجماعية والفردية.

هذه القرية “ki – wi” باتت تعادل مفهوم خلق الابداع، منها ولدت عدّة عروض زارت  عدة أماكن في العالم على غرار “سوقولون” الذي يطرح حياة عتيقة لامرأة إفريقية، وهو عرض من خلاله  أعلن عن مولد أكبر الشخصيات في القارة السمراء وفي التاريخ “سوندجاتا كايتا”،التي كانت في افتتاح أيام قرطاج المسرحية سنة 2005.

بينو سانفي

beno

هو فنّان كوميدي ومسيرته التي تمتد على حوالي 25 سنة  يمكن أن تكون حكاية في حدّ ذاتها تروى .

كان يقطن بالقرب من المركز الثقافي لعاصمة بلده التوغو ، ولأنّه ظلّ مبهورا دائما بأضواء العروض التي كان يشاهدها سرّا، قرّر  أن يصبح  كوميديّا مما أثار استياء والده ولكنّه رغم ذلك واصل رحلته متشبّثا بطموحه.

أبرم بينو سنة 1975عقدا مع وزارة الثقافة ليشغل منصب كوميديّ بالمسرح الوطني بالتوغو،  ولكن الفرحة الكبرى كانت سنة 1977 يوم حضور والده لمشاهدة المسرحية التي يتقلد فيها دورا رئيسيا وهي “نحن نلعب الكوميديا”.

مثّل حضور والده منعطفا مهمّا في حياته مثابة الجائزة الكبرى التي يحصل عليها خلال مسيرته المهنية وحياته  وحتى أغلى من الجائزتين اللتين  تحصّل عليهما لحظة القاء الشعر بين سنتي (1973 1974)،  وحتى أنّها  أيضا أكثر جمالا من  الجائزة الأولى لأفضل أداء فني قدمه تلفزيون توغو (1978) وأكثر جمالا من الجائزة الأولى لأفضل مخرج عن “الحقيقة في راحة من الأكاذيب” (1982)، حكاية الذهبية في دورة الالعاب 2 للفرانكفونية، وربما أكثر جمالا من شهادة الاستحقاق من وزارة الثقافة بالتوغو (2005).

بمباركة والده أكمل بينو مشواره الفني الفاعل في الكوميديا وأصبح راويا كوميديا وعازفا على آلة “الساكسو”، سلك طريقه ككوميدي محترف بين العروض وورشات العمل المسرحي والفعاليات الثقافية، فضلا عن قصصه المكتوبة وخاصة “الواسيو” .

وفي آخر الثمانينات أنشا كوكو بينو سانفي شركة “زيتيك” مع مجموعة من الفنانين وقد تعاون مع أسماء كبيرة من بوركينا فاسو والتوغو وحتى الفرنسيين.

ومن بين اللحظات المهمة التي تسجّل في حياة سانفي هي لقاءه بالحسن كاسي كوياتي في عام 1992 ، كما لعب دورا في عرض “أطفال الكون” (2006)، وهو عرض حكايات استغرق جولة دامت 7 أشهر في فرنسا وسويسرا، إضافة إلى  عرض “في انتظار غودو” لصمويل بيكيت (2007).

لمسة وفاء

منصف السويسي

سعيدة سراي

أحمد السنوسي

أحمد عامر

 

الخميس 24 نوفمبر 2016

المكان : المونديال

18:30 : تكريم الطيب الصديقي

الطيب الصديقي

أحد أبرز الوجوه المسرحية في المغرب


tayeb

 

تعتبر فقرة التكريمات من الفقرات البارزة التي دأبت عليها أيام قرطاج المسرحية منذ تأسيسها، بوصفها موعد يكون مناسبة لتسليط الضوء على أحد أهم الأسماء الفاعلة في المشهد الثقافي عموما، وفي المسرح بصفة خاصة، كما إن موعدا كهذا يعتبر مناسبة للتذكير بأهم أعمال المحتفى به واستعراض مدونته والتحاور حولها، حتى تنهل الأجيال الشابة من تجاربه وإنجازاته على الخشبة، وضمن هذا الإطار تكرّم أيام قرطاج المسرحية في دورتها الثامنة عشرة مجموعة من ألمع الأسماء المسرحية سواء من تونس أو المغرب العربي أو إفريقيا، من بينها أسد المسرح المغربي الطيب الصديقي الذي رحل في 5 فيفري الماضي عن سن تناهز الثامنة والسبعين عاما بعد صراع طويل مع المرض.

الطيب الصديقي كان حاضرا في أكثر من دورة بأيام قرطاج المسرحية وتغيّب بجسده في الدورة الفارطة رغم احتفاءها بمئوية تأسيس المسرح المغربي الذي ترك فيه بصمة واضحة وأعمالا كبيرة، لكنه كان موجودا كسيرة ومسيرة وعلامة فارقة في أشغال ندوة حول “التجارب المسرحية المغربية”، مسألة لا يمكن الخوض فيها دون الاستدلال على تجربة الطيب الصديقي أحد القامات الدالة على جزء هام من مدونة المسرح المغربي البالغة قرنا منذ التأسيس، الطيب الصديقي الذي فجعت الساحة الثقافية المغربية والعربية في فيفري2016  برحيله  تاركا فيها فراغا مرعبا بعد مشوار فني طويل وحافل تأسس أو ترسّخ منذ عودته من فرنسا التي سافر اليها في السادسة عشر من عمره حيث درس الآداب وتلقى دورات تكوينية في المسرح ، ومنذ تقمصه لأولى أدواره “جحا” في بداية الخمسينات مرورا بتكوينه لفرقة المسرح العمالي التي قدمت مجموعة نصوص لكتّاب عرب وعالميين أمثال توفيق الحكيم وغوغول ثم تكوينه لفرقة المسرح البلدي في أول الستينات حيث قدم مسرحيات كتب نصها أو اقتبسها عن نصوص عالمية على غرار “في انتظار غودو” لبيكيت وأعمال أخرى أهلته ليكون مديرا للمسرح البلدي بالدار البيضاء. وهناك اشتغل على نمط مسرحي مختلف له علاقة بالبعد التراثي منها مسرحية “ديوان عبد الرحمان المجدوب” و”بديع الزمان الهمداني”و”الفيل والسراويل”و”جنان الشيبة”و”الشامات السبع” و”قفطان الحب” هاجسه في ذلك منح المسرح المغربي هويته وخصوصيته التراثية مع المحافظة على روح العصر. سيرة الطيب الصديقي لا يمكن حصرها في رابع الفنون رغم أنه اشتهر من خلاله، إذ لا ننكر  ولعه بالسينما حيث أخرج شريطا بعنوان “الزفت”، كما إنّه  وبفضل الكاريزما العالية التي يتمتع بها لفت انتباه عديد السينمائيين الأجانب للمشاركة في أفلام عالمية، بالاضافة إلى  ولعه بالفن التشكيلي والموسيقى وتشجيع الفرق الموسيقية والمساهمة في ابراز مواهبها.

لقب الطيب الصديقي بأسد المسرح المغربي لأنه دافع عنه بشراسة واحتضن المواهب الشابة مقدما لها فرصا فنية لتثبت ذواتها. كما إنّه واكب الحركة المسرحية الحديثة بالمغرب، منذ انطلاقتها بعد الاستقلال، وعايشها عن قرب عبر كل تحولاتها وازدهارها وانتكاساتها، وساهم بقسط كبير في التعريف بالمسرح المغربي سواء في أوربا أو في العالم العربي.

 لم يمنعه عن الخشبة سوى المرض الذي أقعده في الفراش وألزمه بيته منذ سنة 2013 ومع ذلك واصل الكتابة للمسرح الى أن غيبه الموت في الثامنة والسبعين من عمره.

المنصف السويسي

ويبقى فينا

Moncef 1

يا عزيزي المنصف: أعرف أنك تصدقني، أقف هنا وأنا أشعر باليتم حقا، هي المرة الأولى التي أكون فيها عند البلد الذي أحب، ولا ألتقي الرجل الذي أحب، هل ترى أنك أنصفت نفسك أخيرا بهذا الغياب، ولكنك لم تنصف من أحبوك طويلا؟

كان المنصف السويسي صديقي، كان صديقا من نوع مختلف: تحبه كثيرا فلا يتردد في أن يغضبك، فتحبه أكثر. تراه يفرّ إلى مسافة بعيدة، أرادها أن تخصه، فإذا هو أقرب إليك مما تراه. حتى تبقي على حبل الوداد موصولا معه، لا تحاول أن تتوقع ما سيكون عليه أمره غدا. له حالات يصعب أن تقع في منطق ما، سوى منطق الذات التي تحاور ذاتها قبل أن تبوح إلى الفضاء، فضائه، بأي شيء. هي تمتطي صهوة الحياة، بقلق الريح وعصفها، فتوفر لنا، ولنا أيضا، تلك الحياة التي نشاهدها تمتطي صهوة المسرح.

أليس بمثل هذا يعرف الفنان؟

أليس بكل هذا يمكن أن يرانا، كما يجب أن يرانا، وكما يحبّ أن يرانا، من داخلنا، بينما نظن أننا نراه، من خارجه، ونعجب من مزاج نحبّ أن يظلّ لنا ومعنا كل الوقت، فلا يستطيع؟ الوقت الأهم فيه، وله، ولنا جميعا، مختزن في داخله. ولأن الكلمة الفصل عنده لا تكون في ما يقول، حتى لو نطق بما لا يقال، وإنما وراء فعله المسرحي، فإنه يكشفنا، فنرانا معه: ما أجملنا! وما أقبحنا! ماذا نعرف عنا مما يعرف؟

كيف يموت الفعل إذن؟ كيف يموت هذا الفاعل، الذي يلتقط من الكلمات ما لا يملك أن يدرُج فوق سطح الورق خطوة صغيرة، ويمنحها أجمل ما تكون عليه الحياة، حين يصعد بها فوق الخشبة، فتصبح غير الذي كانته، ومن هناك تنساب غير هيابة نحو القلوب، واضحة وغير حيية، صادقة أو صادمة، ليبدو معها فعل الفنان كما يجب أن يبدو الفعل: حياة نقية، لوجه الحياة والإنسان.

كيف يموت من يمنح مثل هذه الحياة؟ كيف تطاوعه النفس أن يغيب عن كل ما فيها مما يثير الأسئلة ويدهش، ويجعل لكل شيء معنى قد لا يتجلى بين يدي سواه؟

يجيب عن هذه الدهشة حزن يغمر العمر عندما يغيب فنان. تهتزّ القلوب، ثم تهتزّ من جديد: لماذا يحفر الحزن عميقا فينا إلى هذا الحدّ؟ في مثل عمرنا، نكون فقدنا أحباء، ويكون الحزن حفر فينا تلاوين كثيرة، ثمّ سرقتنا الحياة منا حتى كاد النسيان يعلو زبد فوق سطوحها. لكن الفنان، بما يخلقه الفنان، يبقى فينا. كيف يمكن للحزن أن  يغيب، وهو كامن فينا؟ هل يزعم أي منا أن فنا يعرفه، لم يحفر في حياتنا، ونحن نعايشه، شيئا من فكر، من تأمل، من فهم علّة أو تجميل عاطفة؟ هل يمكن أن يكون فعل الصدق والموهبة والجهد عابرا، مثل أي فعل عابر؟

المنصف السويسي هو هذا الفنان الذي أبقى فينا كل الذي أبقى.

حين يمضي، لا يمضي معه شيء مما وهب. هداياه تبقى لنا. قد يبدو الكلام أكبر مما يتسع له الكلام، لكنه عند التأمل حقّ: ما يبقى من الفنان فن أبدعه. جزء من ذاته منحه للناس الذين أحبهم وأحبوه. الصداع مع اليوميّ عابر ولا يعني الفن ولا الفنان. الفن / الشهد الذي تعصره خلاياه الدقيقة من فعل الذات. هو الصدق دون رتوش. هو وحده يحيل الرحيل إلى فجيعة. هو الذي يجعل الآمال تفزع فيه إلى الكذب.

يا صديقي المنصف. حين أتطلع إلى الزمن الذي امتدّ بيننا أربعة عقود وتزيد، أقترب من معرفة ما يفعله الزمن، بطبيعته التي لن أسميها غدرا. كان بيننا شدّ في الحياة وجذب، وظلت بيننا في الفن حالة حبّ لا لبس فيها. الفن هو الثابت بيننا، وغيره متحول. هو الأصيل بيننا، وكل ما دونه ينفض بطرف الأصبع مثل غبار. بالفن تعارفنا، ومنك ـ وبه ـ عرفت كثيرا مما عرفت. هو الذي يرسم طريقا إلى الحب، مهما طال الطريق أو قصر. وهو في النهاية أنت، أنت وحدك يا صديقي الذي أحببت، ويا صديقي الذي أحبّ. أنت الذي كنت تبدع الفن، وتخلق الحب، ولم يكن أمام أمثالي غير التلقي.

صاحب الفعل أنت. صانع الحب أنت. مسيّر الحياة ومجمّلها، الساري في الليل بمصباح، القابض على الجمرة أنت. ليس اعترافا بالفضل، فذلك كان في زمانه، لكنه مجرّد تذكير. صانع الحبّ، في زماننا هذا، وفي كل زمان، ذخرًا يكون، وذخرًا يبقى، فهل في وطننا الممتدّ على الأزمنة والمساحات من يستمع؟

يا صديقي المنصف!

قلت لي غير مرة عن الطود الشامخ. الآن أفهم جيدا أنني بك كنت أعتزّ. منك أخذت بعض ما فيك، وسامحني. لا يكون الاعتراف سهلا إلا في الحزن، وحين لا يكون الحزن سهلا.

يا عزيزي المنصف: قال لي سعد الله ونوس مرة، وقبل أن يمضي: حين يغيب اثنان عن مهرجان دمشق المسرحي، أشعر باليتم. كنت الأول بينهما يا عزيزي المنصف. اعذرني إن استعرت مقولته: أنا أشعر الآن باليتم، وأنت تغيب عن البلد الذي أحب، وقد أتوه في شوارعه على غير هدى، ثمّ أتوقع أن تهتف بي من وراء زجاج، فأشعر بأنني وصلت، لنتفق معا، ولنختلف، على أن يحبّ أحدنا أخاه، كما يجب أن يكون الحب.

وفي انتظار أن نلتقي من جديد. لا أقول وداعا، يا صديقي المنصف!

وليد أبو بكر

أحمد السنوسي

Ahmed-Snoussi

ولد الممثل التونسي القدير أحمد السنوسي في  مدينة السرس من ولاية الكاف سنة 1946. وانطلقت مسيرته المهنية لأحمد السنوسي في أواخر الستينات مع الفرقة المسرحية بالكاف، والتي شارك معها في عدد من الأعمال على غرار “ثورة الزنج” و”الحلاج”  و”الزير سالم” و”مكبث” و”كل فول لاهي في نوارو ” و”حال وأحوال”.

ووفق حوارات اعلامية حول مسيرته، سبق وأن صرّح السنوسي بأنه قدم عدة أعمال مسرحية من بينها “الحضيض” لمكسيم غوركي كما شارك في تأسيس المسرح التجريدي بمعية المرحوم فرحات يمون ومحمود الأرناؤوط وعبد المطلب الزعزاع. وقال السنوسي أن التجربة الاحترافية التي استفاد منها كانت مع الفنان جميل الجودي في صفاقس حيث انضم إلى صفوف الفرقة المسرحية بصفاقس.

فقدته الساحة الثقافية يوم الجمعة 20 نوفمبر 2015 ، الممثل التونسي الكبير،أحمد السنوسي عن عمر يناهز 69 عاما بعد صراع طويل مع المرض. وكان آخر ظهور للمرحوم أحمد السنوسي في أكتوبر من السنة الماضية خلال الدورة 17 لأيام قرطاج المسرحية والتي شهدت تكريم مجموعة من أبرز المسرحيين التونسيين.

يعتبر الفنان الراحل أحمد السنوسي كذلك من أول المؤسسين كذلك للدراما التلفزية فقد تقمص أدوارا عدة وراسخة في ذاكرة  المسلسلات التونسية على غرار مسلسلي الخطاب على الباب وغادة والدوار فضلا عن أعماله التي قدمها في السينما.

 

 

أحمد عامر

الكاتب والصحفي والناقد المسرحي

Ameur 1

 

ولد أحمد عامر في  في مدينة المتلوي سنة 1951 من أسرة نزحت من مدينة نفطة إلى المتلوي. وعمل في بداية حياته في الشؤون الاجتماعية وفي التعليم،  لكنه اختار مهنة الصحافة بداية من مطلع السبعينات، وبرز كصحفي متابع للشأن الثقافي والمسرحي .

اشتغل على امتداد سنوات بصحيفة” الصّباح “وتقلّد منصب رئيس تحرير القسم الثّقافي كما كان رئيس تحرير جريدة “صدى السّبت” الأسبوعيّة. وإضافة إلى ذلك كانت له مساهمات متميّزة في الساحة الثقافية،كما  ظلّ لسنوات طويلة الناقد المسرحي الأول في الساحة التونسية التي تفتقد لمثل هذا الاختصاص .

بدأت رحلته مع الدراما التلفزيّة  مع مسلسل «العاصفة» وتلتلها مسلسلات أخرى، كما أعدّ الكثير من المنوعات التلفزية والبرامج الإذاعية والتلفزية للإذاعة التونسية والتلفزة الوطنية.

كتب أحمد عامر أعمالا مسرحيّة لاقت نجاحا هامّا، وبدأت  شهرته  منذ منتصف السبعينات عندما كتب لفرقة مسرح الجنوب بقفصة المسرحية الشهيرة «حمة الجريدي» التي حطٌمت الرقم القياسي في عدد العروض الذي فاق 700 عرض وواصل تعامله مع فرقة مسرح الجنوب التي تحوٌلت الى مركز وطني للفنون الدرامية والركحية بقفصة  .

ومن أعماله المسرحية : (عمار بوزور) و(العريش) و(الجراد) و( مر وحلو ) و (فوتوكوبي) و(لم يقبر الأحياء) و(السوق) وكانت  مسرحية (سلفي) آخر أعماله ، بينما حازت  بعض نصوصه على جوائز تونسية وعربية مهمة مثل مسرحيته (لم يقبر الأحياء(.

ارتبط إسمه  بالممثل والمسرحي عبد القادر مقداد الذي كتب له سلسلة تلفزية «سيتكوم» بعنوان «أحوال» قدمتها التلفزة الوطنية في منتصف التسعينات كما كتب مسرحيات اخرى لعديد الفرق المحترفة والهاوية.

شارك على امتداد مسيرته في إدارة عدّة تظاهرات ثقافية  وطنيّة منها أيّام قرطاج المسرحيّة التي عمل في هيئتها المديرة طيلة سنوات وأشرف على نشريتها.  كما ترأّس إدارة مهرجان البحر الأبيض المتوسّط بحلق الوادي وكذلك اللّجنة الثّقافيّة الجهويّة بتونس والعديد من لجان تحكيم المسابقات المسرحيّة الوطنيّة والجهويّة، كما كان عضوا في بعض اللّجان القطاعيّة بالوزارة كلجنة التّوجيه المسرحي. يضاف إلى ذلك دوره الحيويّ في لجان وزارة الثقافة في الدعم والشراءات .

كان من الوجوه المعروفة عربيا في التظاهرات المسرحية منها مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي ومهرجان بغداد ومهرجانات الخليج. وكان أحمد عامر أيضا عضوا في لجنة تحكيم البنك التونسي مثلما تولى رئاسة اللجنة الثقافية الجهوية لولاية تونس ، ما جعل من البعض يلقّبه بذاكرة المسرح التونسيّ.

وافته المنيّة يوم الأربعاء، 20 أفريل 2016 عن سنّ تناهز 64 سنة.

elteatro-anniversaire AR